عبد الشافى محمد عبد اللطيف

257

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

حكومة الخلافة في المدينة المنورة ، مما أدى إلى الاشتباك العسكري بين المجاهدين المسلمين الذين كانوا يلاحقون المرتدين على ساحل الخليج العربي شمالا بقيادة المثنى ابن حارثة الشيباني ، وبين الفرس ؛ ذلك الاشتباك الذي تطور ليصبح صداما شاملا لم يتوقف إلا بعد فتح إيران كلها وإدخالها تحت السيادة الإسلامية ، ولا يستطيع منصف أن يلوم المسلمين على ذلك ، فلم يكونوا البادئين بالعدوان ، فبعد الاشتباكات الأولى أدرك المثنى أن الفرس ألقوا بكل ثقلهم في المعارك - دون أن يكونوا مقصودين ، فلم يكن يدور بفكر المثنى أن يحارب دولة كبيرة كفارس - بما معه من قوات صغيرة - فطلب مددا من المدينة لصدّ عدوانهم ، وأدرك الخليفة الأول ، أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه - ببصيرته النافذة - دقة الموقف ، فدفع إلى الجبهة بأعظم وأمهر قواده خالد بن الوليد ، ليلقن الفرس درسا لم يلقنهم إياه أحد من قبل ، وفي شهور قليلة من عام ( 12 ه ) فتح القائد المظفر نصف العراق الجنوبي وسحق ما به من قوات الفرس سحقا ، واستقر في الحيرة عاصمة المناذرة ، بناء على تعليمات الخليفة ، وانتظارا لأوامره ، وبعد قليل تطورت الأمور على الجبهة الغربية - بين المسلمين والروم - مما اضطر الخليفة أن يأمر خالدا بالتحرك ببعض القوات العاملة معه في العراق إلى الشام لكسر شوكة الروم ، ولينسيهم وساوس الشيطان - على حد قول أبي بكر الصديق - فجاء خالد وحطم جيش الروم تحطيما - كما هو معروف - في معركة اليرموك سنة ( 13 ه ) وبضربة واحدة فتح الطريق أمام المسلمين لفتح الشام ومصر وما تلاها غربا مما لا مجال لذكره هنا ، فهدفنا هنا الحديث عن فتح فارس الذي مهّد لفتح بلاد ما وراء النهر . بعد تحرك خالد من العراق إلى الشام ، ومعاركه الخالدة هناك ، كان أبو بكر قد توفي سنة ( 13 ه ) وتولى الخلافة الفاروق عمر بن الخطاب فرمى الجبهة الفارسية ببطل آخر من أبطال الفتح الإسلامي العظماء ، الأسد في عرينه - سعد بن أبي وقاص - الذي وصل إلى القادسية وأرسل وفدا إلى بلاط فارس في المدائن يعرض عليهم الإسلام وإذا أبوا فالجزية ، وإذا أبوا فالقتال لإزاحتهم من طريق الدعوة ولكنهم أبوا إلا القتال ، فكان لهم ما أرادوا ، واشتبك الجيشان في القادسية وانتصر جند اللّه انتصارا عظيما ، وهزم الجيش الفارسي هزيمة منكرة « 1 » وسقط قائده رستم - أعظم قادة الفرس - صريعا في المعركة ، وتابع الفاتح الكبير بطل القادسية سعد بن

--> ( 1 ) انظر البلاذري - فتوح البلدان ( ص 315 ) .